ali ferzat
ali ferzat

تسجيل دخول


اسم المستخدم :
 
كلمة المرور :
 
 

كاريكاتير


Facebook





 

عزيزى القارئ.. إذا كنت حتى الآن لم تتعرف إلى فن «على فرزات» فأنت مقصر فى حق نفسك... الفنان السورى على فرزات واحد من أهم رسامى الكاريكاتير فى العالم العربى، وله حضور بارز على المستوى العالمى. كنت أفخر كإنسان عربى وأنا أطالع رسوم على فرزات فى كبريات الصحف العالمية مثل الجارديان ولوموند.. ولد على فرزات فى مدينة حماة عام ١٩٥١، وظهرت موهبته الخارقة منذ الطفولة، وفى سن الثانية عشرة أرسل رسما كاريكاتوريا إلى صحيفة الأيام السورية، ففوجئ فى الأسبوع التالى برسمه منشورا فى الصفحة الأولى وتلقى خطاب شكر وتقدير من رئيس التحرير الذى لم يكن يتخيل أن الفنان صاحب الرسم طفل صغير. على مدى سنوات بفضل جهده وإخلاصه للفن استطاع على فرزات أن يطور موهبته حتى حفر اسمه وسط عمالقة الكاريكاتير العربى أمثال صلاح جاهين وحجازى وناجى العلى ومصطفى حسين وطوغان وغيرهم.. يعتقد فرزات أن رسام الكاريكاتير يجب أن يتمتع بموهبة السخرية قبل القدرة على الرسم.

وهذه حقيقة لأن فن الكاريكاتير يعتمد على إظهار التناقض بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، ولأن الحقيقة واضحة فى ذهن فرزات فإن رسومه دائما موجزة مقتصدة صادقة مستقيمة تخلو من الثرثرة والمواربة والتأنق الفارغ. يستطيع فرزات ببساطة مدهشة أن يختزل العالم فى رسم يجعلنا نفكر ونحس بالقبح الذى يحيط بنا ونتوق إلى جمال الحق والعدل. رسوم فرزات تصيب المعنى مباشرة، وكأنه يرسم بمسدس يصوبه بدقة ويضغط الزناد فتنطلق الرصاصة إلى الهدف تماما. تضعك رسوم على فرزات أمام الحقيقة العارية وجها لوجه. لا أكثر ولا أقل.. ليس الكاريكاتير بالنسبة إلى فرزات مجرد فن ممتع ولا يهدف أبدا إلى التسلية والإضحاك. الكاريكاتير سلاح بالغ الحساسية والفعالية فى معركة الإنسانية.. قضية فرزات الأولى هى الحرية وهو يدافع عن حق الإنسان وكرامته مهما تكن العواقب ومهما يكن الثمن.

كان بإمكان هذا الفنان العالمى أن يعيش فى باريس أو لندن معززا مكرما ليكون مناضلا شهيرا آمنا فى المهجر كما يفعل كثيرون، لكنه أصر على البقاء فى الوطن وقال ببساطة إنه لا يفهم كيف يستطيع أن يرسم الناس وهو يعيش بعيدا عنهم. كان بإمكان على فرزات أن يتولى منصب وزير الثقافة فى سوريا منذ فترة طويلة لو أراد. لم يكن مطلوبا منه أن ينافق كثيرا، كان المطلوب فقط أن يسكت على الظلم والقمع. أن يتكلم فى حدود المسموح، كان المطلوب أن يرسم وفقا لحسابات ومواءمات تجعل رسومه تعالج الموضوعات المتفق عليها، كان مطلوبا منه أن يقول نصف الحقيقة لكن على فرزات يؤمن بأن الحقيقة يجب أن تكون كاملة وأن نصف الحقيقة دجل وتزييف.

 الغريب أن صداقة حقيقية ربطت يوما ما بين على فرزات وبشار الأسد. كان بشار عندئذ ابناً لرئيس الجمهورية يدرس طب العيون فى لندن، وكان محبا للفنون، فبدأ يتردد على معارض فرزات وأعجب بأعماله، ونشأت بينهما صداقة جعلت فرزات يستقبل بشاراً فى منزله. لعل بشاراً قبل أن يتولى السلطة كان متحمسا لإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية فى سوريا، ولعل ذلك ما دفع النظام السورى فى بداية تولى بشار للسلطة إلى السماح لعلى فرزات بإصدار مجلته الشهيرة «الدومرى»، وكانت أول مجلة خاصة فى سوريا منذ الستينيات. (الدومرى شخص يحمل فانوسا كانت السلطات العثمانية تعهد إليه بإضاءة الشوارع ليلا أمام المارة قبل دخول الكهرباء فى سوريا) كانت مجلة الدومرى ظاهرة فريدة من نوعها، أولا لأنها بسخريتها اللاذعة فى المقالات والرسوم كانت أشبه بمجلة البطة المقيدة LE CANARD ENCHAINE الفرنسية الشهيرة، وثانيا لأنها اعتمدت على التصريح بدلا من التلميح، وتميزت بنقد صريح للاستبداد والفساد، وثالثا لأنها بإمكانات متواضعة استطاعت أن تحقق معدلات توزيع ضخمة لم تعرفها قط الصحف الحكومية السورية التى ينفق عليها حزب البعث الملايين وتخرج فى النهاية مجرد نشرات دعائية كاذبة وسخيفة لا يقرؤها أحد.

 تحمل فرزات كل أنواع المضايقات والمطاردات من السلطة، وظل يصدر مجلة الدومرى بغير أن يحنى رأسه أو يهادن أو يعقد صفقات مع النظام. شيئا فشيئا تحولت مجلة الدومرى إلى مشكلة حقيقية لنظام البعث ومخابراته حتى إنهم لم يجدوا فى النهاية مفرا من إغلاقها وإلغاء ترخيصها. على أن المناضل الفنان على فرزات لا يعرف اليأس وإذا كان نظام البعث قد أغلق مجلته فقد اكتشف رحابة عالم الإنترنت فأنشأ موقعا إلكترونيا باسمه لينشر فيه رسومه التى ما إن تصدر حتى تتحول إلى حديث السوريين. غضب بشار الأسد بشدة على صديقه السابق وصرح مرة:

ــ على فرزات كان صديقى لكنه طعننى فى الظهر

هكذا تحول بشار طبيب العيون إلى مجرد حاكم مستبد آخر يعتبر الدفاع عن الحق طعنة فى الظهر، وهو شأن الحكام المستبدين لا يفهم الصداقة إلا باعتبارها تبعية وولاء مطلقا، بل إنه يعتبر نفسه هو الوطن بلا زيادة ولا نقصان. فمن يؤيده وينافقه يحب الوطن ومن يدافع عن حقوق الناس فى نظره خائن وعميل، ومن يطالب بالحرية فى نظره متآمر ينفذ أجندات أجنبية. الغريب هنا التشابه الذى يصل إلى التطابق بين تفكير بشار ومبارك وعلى صالح وبن على وكل المستبدين... الأكاذيب نفسها والإجرام نفسه والتخلى نفسه عن المبادئ والأخلاق جميعا من أجل الاحتفاظ بالسلطة بأى طريقة وأى ثمن. هذا التطابق بين المستبدين وصفه الكاتب الإسبانى الكبير جوى تيسوللو عندما قال:

ــ إذا عرفت ديكتاتورا واحدا فقد عرفت كل الحكام المستبدين لأنهم جميعا واحد.

مع نشوب الثورة السورية والقمع الوحشى الذى مارسه النظام السورى على مواطنيه العزل الأبرياء لمجرد أنهم طالبوا ببعض حقوقهم الإنسانية لم يكن ممكنا لعلى فرزات أن يقف مكتوف اليدين، فامتشق سلاحه وأبدع رسوما أظنها ستظل خالدة فى تاريخ الفن العربى.

فها نحن نرى جنديا ضخما مسلحا يمثل السلطة السورية يتأهب لإطلاق النار على معتقل معصوب العينين على أن الاثنين العسكرى والضحية واقفان على طرفى خشبة رفيعة ستسقط بهما لو اعترتها أدنى هزة.. وعندما يعلن بشار الأسد إلغاء قانون الطوارئ يرسم فرزات ضابطا ضخما يمثل السلطة يظهر ظله الكبير على الحائط ونرى بشار الأسد يحاول طلاء الحائط لإخفاء الظل بينما الأصل موجود. يستمر القمع الوحشى للثورة حتى يسقط أكثر من ألفى شهيد بالإضافة إلى آلاف المصابين والمعتقلين، لكن نظام بشار الأسد يستمر فى الكذب ويعقد مؤتمرات لإقرار إصلاحات زائفة شكلية يحاول أن يخدع بها الشعب، عندئذ يرسم فرزات شخصا جالسا على مرحاض يقضى حاجته بينما يسحب ورق تواليت مكتوباً عليه توصيات المؤتمر.. مع إصرار السوريين على الحرية وانتشار الثورة فى كل أنحاء سوريا ارتكب أفراد الأمن والبلطجية التابعون للنظام المزيد من الجرائم البشعة فراحوا يقتحمون المساجد ويقتلون المصلين بالرصاص الحى ثم يظهر مغن شعبى اسمه إبراهيم قاشوش فيشارك فى المظاهرات ويرتجل الأغنيات التى تطالب بشاراً بالرحيل، بعد أيام قليلة يتم اختطاف قاشوش بواسطة بلطجية النظام الذين يقتلونه ثم يقومون بانتزاع حنجرته بوحشية، ويلقون بجثته على قارعة الطريق ليجدها الناس منزوعة الحنجرة، فتكون عبرة لكل من يجرؤ على مطالبة بشار الأسد بالتنحى عن السلطة.

 على أن وحشية النظام لم تزد السوريين إلا إصرارا على الثورة وقد وقف معهم فى الصف الأول الفنان على فرزات الذى واصل بشجاعة نادرة إطلاق قذائفه ضد الاستبداد. هنا كان لابد من التنكيل به وإخماد صوته بأى طريقة.. يوم الخميس الماضى انتهى على فرزات من عمله ثم استقل سيارته الخاصة عائدا من مكتبه إلى بيته عندما لاحقته سيارة بيضاء وظلت تضيق الطريق عليه حتى تمكنت من إيقافه ونزل منها أربعة بلطجية ضخام أخرجوه بالقوة من سيارته ثم اعتدوا عليه بوحشية، ضربوه حتى أغرقت دماؤه الزكية ملابسه وسالت على الأرض وقد ركزوا فى اعتدائهم على دماغه ويديه. ضربوه على رأسه حتى أصيب بارتجاج فى المخ وكسروا أصابع يديه حتى تهشمت تماما. إن هذا الاعتداء الهمجى يحمل المعنى كاملا. النظام السورى المدجج بكل الأسلحة الذى قتل الآلاف من أبناء شعبه بينما لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل منذ أربعين عاما. هذا النظام بالرغم من آلة قمعه الجبارة لم يعد بمقدوره أن يتحمل فنانا نحيلا رقيقا ليس لديه إلا فنه وريشته. لقد ضربوه على رأسه وهشموا يديه لأنهم يخافون من الحقيقة التى يصنعها فى رسومه البديعة..

فى يوم عيد الفطر المبارك بدلا من أن يكون الفنان الكبير على فرزات فى بيته وسط أهله ومحبيه فإنه يرقد الآن وحيدا فى المستشفى وقد امتلأ جسده بالجروح وتهشمت أصابعه السحرية التى طالما أبدع بها رسوما ستظل دائما فى أذهاننا وقلوبنا.. أكتب هذه الكلمات وأتمنى أن تصل إلى الفنان على فرزات حتى يعلم كم نحبه نحن المصريين ونحب سوريا كلها، وإلى أى مدى نحس فى مصر بمعاناة أهلنا فى سوريا.. إن حالتنا نحن المصريين ليست على ما يرام فبعد أن نجحنا فى خلع حسنى مبارك فوجئنا للأسف بأن نظام مبارك مازال يحكم ولم يسقط بعد، وبالرغم من ظروف مصر المضطربة فإننا لم ننس أشقاءنا فى سوريا لحظة واحدة. أدعوك يا عزيزى القارئ إلى الدخول إلى موقع على فرزات على الإنترنت حتى تشاهد رسومه الرائعة وتدرك أى فنان عالمى هو وتدرك أيضا أى خطيئة ارتكبها بشار الأسد المسؤول الأول عن جريمة الاعتداء الوحشى على واحد من أهم الفنانين فى العالم العربى..

يا على فرزات.. أنت فرد لكنك تمثل فى ميزان الرجال أمة. لقد دفعت ثمن شرفك وشجاعتك فى بلد يحكمه نظام مستبد جائر. لقد ارتكبوا جريمتهم بالاعتداء عليك لأنهم يخافون منك. إنهم يملكون آلة القمع الجبارة، وأنت لا تملك إلا ريشتك، لكنك أقوى منهم لأنك تمثل الحقيقة وهم يمثلون الزيف والفساد. أنت المستقبل يا على وهم الماضى المظلم. أنت قادم يا على لا محالة وهم ذاهبون إلى مكانهم المستحق فى مزبلة التاريخ. لقد انتهى نظام بشار الأسد ولم يتبق منه إلا عصا القمع ولسوف تنكسر قريبا وتحصل سوريا على الحرية... صديقى على فرزات.. سلمت يداك.

الديمقراطية هى الحل

بقلم   علاء الأسوانى    ٣٠/ ٨/ ٢٠١١

 

 


23 Like

الاسم :
 
البريد الالكتروني :
* لا يظهر للزوار


أو تفضل بالتسجيل

اضف رايك :

 

يرجى ادخال الرمز الموجود بالصورة


 


 

 





قلم من الفولاذ الدمشقي




الاعضاء المسجلين: 3961
 يوجد حاليا 0 عضو مسجل و 54 ضيف يتصفحون الموقع
 
جميع المقالات والردود الواردة ضمن الموقع تعبر عن راي صاحبها وادارة الموقع غبر مسؤولة عنها
Ali Ferzat. All Content and Intellectual Property is under Copyright Protection | Media Planet © 2004 - 2011