ali ferzat
ali ferzat

تسجيل دخول


اسم المستخدم :
 
كلمة المرور :
 
 

كاريكاتير


Facebook




في إحدى الأيام ، عندما أنهيت درسي الذي دام لأربع ساعات و سرت لكي أركب باص النقل الداخلي عائدآ إلى غرفتي المستأجرة ، وجدت الطريق مقطوع للإصلاحات ، و إن الباص لن يأتي ، لذلك قررت أن أمتطي إحدى التكاسي على مضض .
أوقفت تكسي أصفر رشيق ، و كان سيارة حديثة جدآ ، يتمنى خمسة و تسعين بالمئة من الشعب السوري إمتلاك مثلها ، جلست بصمتي المعتاد بعد أن أبلغته عن وجهتي .
و بحركة سحرية شغل الشوفير المسجلة على أغنية أسمع صداها منذ سنوات و هي " منعشئك " و رفع الصوت . و نظر إلي نظرة خاطفة ليتتدارس ملامحي ، كانت نظرته ذات رسالة مزدوجة ، متغيرة حسب طبيعة الجالس بجانبه ، فإن كنت أنا من جماعته " جماعة منعشئك " فإنه يوجه لي رسالة بأنه أكثر مني انبطاحآ و ولاءآ لآلهته الإنسان ، و أنه أوغل في عبادة الصنم أكثر مني " على حسب رأيه " و أنه أكثر مني نفوذا في المعابد .
و إن كنت أنا الجالس بجانبه من جماعة " ما بنعشأك ، و ما بنعشأ غير الحرية " فهو بنظراته يقول لي جملة القذافي المأثورة " من أنتم ؟ " و أنه يملك سلطة علي تتعدى سلطة شفير التكسي ، و قد تتحول في لحظة إلى سلطة الجلاد على المجلود ، و المالك على المملوك .
تجاهلت تلك النظرات بسبب حالة من المغص المفاجئ قد سببته لي الأغنية التي يستمع إليها بنشوة ، و تابعت طريقي بصمتي المعتاد .
عندما نزلت من التكسي كان العداد يشير إلى ٣٢ ليرة ، و هو قد اقتطع من خمسينتي اليتيمة ، أربعين ليرة ، في حينها تجاهلت الثلاث ليرات التي عودونا عليها شفيرية التكاسي ، و أقنعونا بأنها تنجبر " و الجبار الله " لكنني لم أنسى الخمس ليرات ...
نظرت في وجهه و أنا بكامل الوحشية الصامتة ، و قد ضهرت على ملامحي إشارة استفهام شوكية حارقة خارقة ، فرد علي بنظرة الطبقية السياسية ، و رفع صوت المسجلة الصداح بنفس الأغنية الرومنسية "منعشأك " و حرك السيارة بنزاقة ، و قد علم أنني من جماعة المطالبة بالحقوق المسلوبة .
في تلك اللحظة كان باستطاعتي أن أطالبه بحقوقي ، و نقودي المسلوبة ، لكنني فكرت مليآ ، لأنه ليس من المنطقي أن أبقى في إحدى فروع أمن التكاسي لسنوات من أجل خمسة ليرات .
أغلقت الباب بصبر الأنهار ، و مضيت في طريقي و أنا مسروق ، هذه الخمسة ليرات ليست لها قيمة كبيرة ، لأنه يمكن أن أصرف أكثر منها في إتصال هاتفي واحد يدوم لعدة ثواني ، لكنني سرقت أمام عيني .

وقفت في منتصف الرصيف ، و أنا أرتجف من الغضب ، و دعوت إلى الله دعوة مظلوم ، دعوة طالب مغترب ، دعوة شاب تخطى الرابعة و العشرين و لا يزال يأخذ مصروفه من أهله ، دعوة عاطل عن عمل ، دعوة إنسان مخذول ....
دعوت الله أن لا يسامحه ، و تضرعت إلى الله طالبآ منه أن يقابلني به يوم القيامة ، و يعذبه بمقدار القهر الذي زرعه في داخلي ، و أن تكون هذه الليرات الخمس هي التي تحرم عليه ما جنا في الدنيا من أموال ، دعوت و دعوت حتى صرت أرجف من الخشوع ، و بيدي مقبض الباب يأن من الألم ، و يحس بشيء من الذنب لأن أحدهم قد سرقني .
دخلت إلى غرفتي المستأجرة ، و في صدري إعصار جامح ، و غصة في القلب .
لم أكن قادر على التركيز في الدراسة ، أو أي أمر آخر ، فقررت أن أخلد للنوم ، فاجتاحني الأرق الممزوج بالقهر .
في تلك الليلة ، و كما عودوني أهلي أن أفعل ، سامحت كل من سرقني في ذلك اليوم ، و خلدت للنوم بسلام .
فأنا قد أنسى ، لكن الله لا ينسى .


عدي الحيجي


103 Like

الاسم :
 
البريد الالكتروني :
* لا يظهر للزوار


أو تفضل بالتسجيل

اضف رايك :

 

يرجى ادخال الرمز الموجود بالصورة


 


 

 





قلم من الفولاذ الدمشقي




الاعضاء المسجلين: 3961
 يوجد حاليا 0 عضو مسجل و 15 ضيف يتصفحون الموقع
 
جميع المقالات والردود الواردة ضمن الموقع تعبر عن راي صاحبها وادارة الموقع غبر مسؤولة عنها
Ali Ferzat. All Content and Intellectual Property is under Copyright Protection | Media Planet © 2004 - 2011